اصول تربيه 451

منتدى طالبات اصول تربيه 451
 
الرئيسيةالرئيسية  اليوميةاليومية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  الأعضاءالأعضاء  المجموعاتالمجموعات  التسجيلالتسجيل  دخول  

شاطر | 
 

 الاقتصاد الإسلامي بين الشيوعية والرأسمالية ؟

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ساره الخرجي



المساهمات : 4
تاريخ التسجيل : 23/02/2016

مُساهمةموضوع: الاقتصاد الإسلامي بين الشيوعية والرأسمالية ؟    الثلاثاء مارس 08, 2016 1:57 pm

بسم الله الرحمن الرحيم

محاضرة للإمام الشيخ محمد المنتصر بالله الكتاني – رحمه الله تعالى – تحت عنوان:

الاقتصاد الإسلامي بين الشيوعية والرأسمالية

بسم الله الرحمن الرحيم، وصلوات الله وسلامه على سيدنا محمد فخر العالم، وسيد العرب والعجم، وعلى آله وصحبه وسلم.
موضوع كلمتنا اليوم: الاقتصاد الإسلامي بين الشيوعية والرأسمالية. موضوعنا اليوم هو مشكلة العصر، مشكلة الدول والشعوب، باسمه قامت مذابح وحروب، وباسمه سادت أمم وشعوب، وذلت أخرى.
وفي الميدان اليوم مذهبان يتصارعان، وكأنه ليس في العالم غيرهما: الشيوعية والرأسمالية. وكلا المذهبين عندما ظهرا على وجه البسيطة زادت الفتن والحروب، وانتشر الفساد بين الناس.
وللإسلام رأي، وللإسلام نظام، وللإسلام كلمة في الموضوع، حكم الدنيا ألف سنة أو تزيد، وكان حكمه بمذهبه بنظامه، بردا وسلاما على الناس.
النظام الاقتصادي في الإسلام نظام قائم بنفسه، لا شيوعي ولا رأسمالي، ولقد كان قبل الإسلام لا يوجد للشيوعية اسم، ولا لصاحبها ذكر، وقبل أن يذكر ذلك بألف وثلاثمائة عام.
ولقد كان النظام الاقتصادي في الأرض، النظام الإسلامي، قبل أن يكون للرأسمالية ذكر أو اسم، فضلا عن الحكم أو رواج بين الناس.
فمن قال عن النظام الإسلامي الاقتصادي: رأسمالي. ضل وأضل، وزاغ عن الطريق السوي.
ومن يقل عن النظام الإسلامي: شيوعي أو اشتراكي؛ ضل وأضل، وزاغ عن الطريق السوي، ونبا الحق، وظلم الناس لإبعادهم وعدم إبلاغهم هذا الحق.
الاقتصاد الإسلامي جمع من المحاسن المدعاة في الشيوعية، ومن المحاسن المدعاة في الرأسمالية، ما كان رائعا مجربا مدربا، حكمت به شعوب وأمم في مشارق الأرض ومغاربها، فعزت وسادت، وأصلحت وأغنت، وقضت على البؤس والفقر والحاجة بين الناس.
ما تدعيه الشيوعية من عناية بالفقير والمسكين، بالعامل والفلاح، هي دعوى واقع الحال في ذلك لم يكن صحيحا.
العامل والفلاح ابتُز وصار آلة للدولة تبتز به، وتكسب به، وتسيطر بواسطته دون أن يكون له كرامة أو إرادة أو اعتبار.
والمال أخذته الدولة باسم الشعب، فالشعب ازداد فقرا وبؤسا، والدولة ازدادت به تسلطا وتجبرا، ولا شيء أكثر من ذلك.
الإسلام اعتنى بالفقير، واعتنى بالعامل، واعتنى بالفلاح، اعتنى بمعاني أخرى لا نجد لها في قواميس الشيوعية ذكرا.
اعتنى بالأرملة، اعتنى بالمزمن العاجز، اعتنى باليتامى، اعتنى بكل أفراد الأمة، جعل لها رواتب ونفقات في جيوب الناس الأغنياء، وفي بيت مال المسلمين تؤدي لهم حقا من حقوقهم، وتؤدي لهم مالا من مالهم، دون من، ودون أن يُذكر في ذلك يد أو جميل لأحد من الناس، أو جماعة من الجماعات.
الرأسمالية تدعي أنها تحرص على المبادهة والمنافسة واستغلال قوى النبوغ والعبقرية في الأرض، فكانت النتيجة تسلط الفرد على الجماعات، فأخذ الأرض والمال، وساد بها على الملايين من الناس.
فجمعت الأموال في يد واحدة، فتسلطت على الملايين فقادتها مع الحكم، حيث مصلحتها ونزوتها وهواها، ولا شئ سوى ذلك، وبقي الشعب ضائقا فقيرا محتاجا.
الاقتصاد في الإسلام كما اعتنى بالفرد في ماله، غنيا وفقيرا، في نفسه عاملا وعاجزا، في مستقبله وفي حاضره؛ لم ينس الجماعة ولم ينس حقها. فكما عني بالفرد عني بالجماعة، فلا فرد أضر ولا جماعة تسلطت.
الإسلام قال بالملِلكية، وأعلنها وجعلها حقا من حق المكتسِب. ولكنها – هيهات – هي ملكية وليست كبقية الملكيات عن المذاهب الأخرى: الشيوعية وفروعها، والرأسمالية وفروعها.
الشيوعية ألغت ملكية الفرد، فصادرت الفرد حقوقه، وأخذت المال لنفسها بتسليطها لجواسيسها، لسلطانها، لكي تعيش أبدا متسلطة حاكمة، وليس للشعب إلا أن يعمل مشغولا ببطنه، مشغوفا بظهره، في يومه يفكر في بطنه، وفي ليله يفكر في ظهره، ولم تعط له مجالا يفكر في شيء آخر سوى ذلك.
الرأسمالية احتكرت الأموال، المعادن، المصافي، المعامل، اليد الواحدة، بنفوذ، بسلطان، بحكم، بقوة، بتكتل، بحيل. فكانت النتيجة: افتقر الشعب عند الشيوعية وذل. وافتقر الشعب عند الرأسمالية وذلوا. إنما هي حيل وأسماء لإذلال الشعوب وبقاء الحروب بين الناس.
الإسلام قال بالملكية، ولكن: الملكية في الإسلام ليست كباقي الملكيات، هي ملكية مقيدة مفسرة، مقيدة لا يصح للممتلك أن يملك إلا ما أذنت له به الشريعة الإسلامية بكسب الحلال. بالعرق الحلال، بالعمل الصحيح المقبول، وبأداء الحقوق مع كل ذلك.
مال تجمع بالربا، تجمع باستغلال النفوذ والسلطان، تجمع عن طريق الحرام، عن طريق الفساد، عما لم يسمح به الشارع والشريعة؛ مال يعتبر في حكم اللاغي، لا يعترف بالملك لصاحبه، ويبقى ملكا للأمة يصادر على أنه حق رجع، وعلى أنه في الأصل مال غصب؛ فيجب أن يرجع لبيت المال.
مال أثرى صاحبه بواسطة البنوك، مال حرام فاسد، لا يعترف بالمالك وملكيته أبدا، مال تجمع بواسطة النفوذ والحكم والسلطان لا يعتبر مالا ولا ملكا، ولا يعترف لصاحبه بحال من الأحوال.
مال أخذ بالتحايل على الناس، على غير وجه الحق الذي شرعه الإسلام، لا يعتبر مُحَلَّقا ولا حقا قائما، وللسلطان المسلم الحاكم أن يضع يده عليه، ويضمه لبيت مال المسلمين على أنه مال مغصوب أخذ من الناس بغير حق.
مشترك، يملك الرجل والمرأة والطفل كل منهم مالا باسمه، يسجل باسمه، ولكن هذا المال – مع ذلك – تشترك فيه زوجته، يشترك فيه أقاربه الأدنون المحتاجون، إن كان له من المال فضل، فإن حاول أن يتلاعب بهذا المال ويصرفه مبذرا مسرفا، بما يضيع حق الأهل، حق الولد، حق الأقارب؛ جاء الشارع وضرب على يده وحجر يده بالمال. فكل المذاهب الإسلامية فيها أبواب قائمة تسمى "الحَجرْ".
ولم الحجْر؟. يحجر على يده: يبنى بينه وبين التصرف سور من حجارة لا تصل إلى المال يده بالتصرف بما شاءت من هوى ونزوة.
لم ذلك؟. لأن المال – وإن كان باسمه، وإن كان مسجلا باسمه – هو مال تشترك فيه زوجته، يشترك فيه أولاده، يشترك فيه أقاربه، وبالتالي يشترك فيه المجتمع لحق الزكاة، ولحق النفقات ولحق الفقير والمسكين.
المال في الإسلام هو – في الأصل – مال الله، ويد الناس فيه مستخلفة: {وجعلكم مستخلفين فيه}، {وما كان لله فهو للناس}، هو مال المجتمع، يوظف وظيفة لمصلحة الناس، ولتداول العملة ليستغني المحتاج، ويكتفي الفقير.
ومن أجل ذلك كان هذا المال مقيدا غير مطلق، مشتركا غير مفرد، فهو يملكه من حِله، ويصرفه في حله، ويشرُكه فيه زوجته وأولاده، والأقربون والمجتمع.
مال تجمع من حلال، ولكن صاحبه لم يعط حق الله فيه ما لم يعط زكاته، لم يعط حقه، تتجمع هذه الزكاة ولو مضت عليها السنوات، ولا بد من أخذ هذا المال جبرا، "وإنا آخذوه عزمة من عزمات ربنا".
من أعطى المال، من أعطى الزكاة طيبة به نفسه، فذاك، وإلا أجبر جبرا، وغُلب على ذلك قهرا وغلابا، ولا كرامة.
يحاسب حيا وميتا في زكاة الناس، زكاة الفقراء، يحسب في ماله ما أصبح مالا للفقراء، يجمع في ماله، يؤخذ من ماله، وعند أخذه يحسب المال، ونتابع المال وما نتج عن المال الذي لم يبق ملكه.
ولقد وصف الله المؤمنين: {والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم}، هذا المال الذي في ماله حق للمحتاجين من الفقراء والمساكين، والذين سمى الله: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين...}، اللام قال المفسرون: لام الملك، أي: المال الذي ملكه الله للمحتاجين إليه، للفقراء والمحتاجين، فالمال في الشريعة الإسلامية يملك بقيد، يملك على أنه مشترك، يملك على أن تؤدى فيه الحقوق؛ حقوق الفقراء والمحتاجين، حقوق النفقات على الزوجة، والولد والأقارب.
المال في الإسلام حرص الشارع أن لا يكون دُولة بين الأغنياء، أن لا تنفرد بامتلاكه يد، ويبقى المسلمون الباقون صفر الأيدي محتاجين وقد تجمع المال في يد واحد، أو أيد من الناس بواسطة الحكم والسُلط والحيل، وأنواع السلط على الناس: سلط الحكم، أو سلط جاه، أو سلط حيل، كي لا يكون دولة بين الناس.
فتته الشارع بالتركات، بالنفقات، بالمصاريف الخاصة والعامة، مهما تجمع بالأيدي عن حلال، لا يكاد يمضي عليه جيل أو جيلان حتى يتفتت، حتى يتمزق، حتى يصبح وقد انتقل من يد واحدة إلى أيد كثيرة. هذا إن كان الدخل في الأصل دخل حلال لا حرام، أما إن كان الدخل دخل حرام؛ لا يعتبر ملكا شرعيا، ولا يعترف به لصاحبه.
المال في الإسلام جعله الله حقا للناس، كما الصلاة حق لله، وأول حرب وقعت بين المسلمين: حرب داخلية، كانت لأجل الفقير والمسكين.
ارتفع النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى، فضل من ضل، وارتد من ارتد، وامتنع عن أداء الزكاة من امتنع. وإذا بأبي بكر الصديق، الخليفة الأول، يقف وقفة الضرغام والأسد الهصور بعد أن خالفه من خالفه لعدم فهم، وضعفا في الموقف. فقال أبو بكر: "والله لو منعوني عقالا، لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها لرسول الله؛ لقاتلتهم عليه".
فأخبرهم باللسان واللين، فامتنعوا، فأشهرها عليهم حربا عوانا، وكان يقول: "عجبت لمن فرق بين الصلاة والزكاة، الله لم يفرق في كتابه بينهما، فلقد جمع بينهما". وقرأ في غير آي من الآي، وفي غير سورة من السور: {أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة}.
فالصلاة حق الله، والمال حق الناس، فمن منع حق الناس عطلت صلاته، ولم تقبل منه، كان هذا مذهبه ومذهب ابن مسعود ومذهب جماعة من الأصحاب.
كان مذهب أبي بكر بالقول وبالسيف، فقاتل الممتنعين من الزكاة إلى أن خضعوا لحق الله، إلى أن خضعوا لحق الفقير والمسكين. هل سمعتم في الأرض أن حربا قامت بين الناس لأجل الفقير والمسكين، ولحق الفقير والمسكين؟!. حدث هذا في الإسلام، وعقب وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
للفقير والمسكين حق في المال جعله الله ملكا من أملاكه، وجعله الله حقا من حقوقه؛ فلو امتنع أصحاب الحق من أداء الحقوق، فللفقير والمسكين أن يجبر حكومته على أن تطلب حقه ولو بحد السلاح!. فإن لم تفعل؛ فللفقير والمسكين أن يتكتل ويحارب على هذا الحق، فمن قَتَل من المجتمع؛ فقد قتله سيف الإسلام، وضاع دمه هدرا. ولو قُتل طالب الحق؛ قُتل قاتله.
أسمعتم بهذا في شريعة من شرائع الدنيا السماوية أو الأرضية؟، هذا في الإسلام، وأجمعت عليه المذاهب، والإسلام غني بمذهبه الاقتصادي، لا حاجة له إلى أن يشحذ من غيره، أو يستعير من غيره. لا يستعير إلا الفقير، لا يستعير إلا المعدَم، لا يشحذ إلا صفر اليد.
أما الإسلام؛ فهو يدّر ولا يستورد، فإذا ضاعت العقول، ومسخت النفوس، وارتد الناس عن الإسلام، إذا تركوا دين الله الحق الذي سادوا به قرونا تلتها قرون، حينما كانوا متمسكين به، ذلوا ذلا تسلط به عليهم أذل خلق الله في الأرض، لأنهم تركوا دين الله وراءهم ظهريا، والنظم التي سادوا بها وراءهم ظهريا.
نظام الضرائب نظام جاهلي، نظام غير إسلامي، نظام يهودي صليبي، جائر ظالم، الحيف فيه على الفقير باستمرار، أما الغني فلا يضره إلا قليلا.
أما الضرائب في الإسلام، نظام الجباية في الإسلام: الفقير يأخذ ولا يعطي، والغني إنما يعطي من فضول ماله، والناس بخير ما دام الإسلام حاكما، وما دام الإسلام قائدا، وما دام الإسلام قانون الدار والمكتب والشارع والأسرة، والفرد والمجتمع والشعب والحكومة.
وأنا ذاكر أشياء ثمانية من قُنُن الإسلام الجوهرية، ذاكرها ذكرا أشبه بالعناوين منها بمحاضرات أو كلمات. مشاكل الناس اليوم في الأرض، من معادن، من مرافق، في التركات، في الزكوات، في الخراج.
الأرض للإسلام فيها قول، وللإسلام فيها حكم، ليس للشيوعية منه في الحق قليل ولا كثير، ولا للرأسمالية منه في الحق قليل ولا كثير.

الأرض في الشريعة أنواع:
- أرض أسلم عليها أهلها. كأندونيسيا مثلا. تبقى كما كانت عليه قبل الإسلام.
- أرض صالح عليها المسلمون الفاتحون أهلها؛ فلهم من الحق ما تصالحوا عليه لصالح المسلمين.
- أرض دخلها المسلمون فتحا وغلابا، هي مال مشترك بين المسلمين لا تطوّب ولا تملك، تبقى هكذا إلى أبد الآباد ودهر الداهرين، للكبير وللصغير، وللشعب وللمجتمع، وهي أكبر مصدر من مصاريف الدولة، بإداراتها وطرقها، وبلدياتها وموظفيها وجيوشها.
أبو بكر الصديق؛ في حكمه استقر الإسلام عقيدة، وكانت سنتا حكمه امتدادا للنبوة، إلا أنه لا وحي فيها، حاول قوم أن يرتدوا، فارتد الكل إلا أهل مكة والمدينة والبحرين، فأجبرهم على الإسلام جبرا، وقد حاولوا أن يتلاعبوا بأركان الإسلام؛ فأجبرهم على الإسلام جبرا دون تلاعب: {لا إكراه في الدين}: قبل الدخول فيه، أما إذا دخلوا؛ فالدخول ملزم، فليس الأمر أمر لعب ولا أمر لهو.

وجاء عمر بن الخطاب؛ فلما تم الأمر له أخذ ينشر الإسلام في مختلف أقطار العالم، شرقا وغربا، فما كادت تتم سنيه العشر حتى كان الإسلام وصل إلى أقاصي المغرب، وإلى أقاصي المشرق، وما بينهما شمالا وجنوبا.
فحدثت مشكلة الأرض، فظن الفاتحون أن من الغنائم أيضا الأرض، فسكت عنهم عمر زمنا، فأخذوا يكتبون ويلحون، ويتوافدون عليه زرافات ووحدانا، أمراء المدن، حكام البلاد، الفاتحون والقواد. وعمر يرهبهم.
فلما ألحوا عليه قال: "إنما الغنائم في الأموال المنقولة، أما الأرض، أما العقار؛ فلا". فعقدت أول ندوة برلمانية – إن صح هذا التعبير – في الإسلام أيام عمر بن الخطاب في شأن ملكية الأرض، أرض الفتح، أرض الخراج، فكان مع عمر كبار الصحابة، كبار الفاتحين: الخليفتان الراشدان من بعده: عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب. وكذا الزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وآخرون، وكان قوم مترددين.
وكان أشدهم عليه في المعارضة: بلال بن رباح. وقد سكن الشام وأصبحت له جماعة وحزب، إن عبرنا بتعابير العصر. فحضر بلال وقال: "أليس لنا حق الفتح؟، لنا حق الغنائم، شيء ملكنا الله إياه؟ !". فقال عمر: "هيهات؛ إنما لكم المال المنقول، أما العقار؛ فلا".
ألحوا فألح، فإذا ببلال يهدد بالسلاح والحرب، وإذا بعمر بن الخطاب يجد الأمر محرجا، كيف يقاتل داعية السماء بلالا؟. كيف يحارب شخصا سكن الشام ولا تزال محاطة بالأعداء من الروم وفارس والمؤلفة قلوبهم ومن لم يدخل الإسلام قلبهم بعد؟. فضاق بالإلحاح، وبلال يلح: "إما أن تقسم الأرض بيننا يا عمر بن الخطاب وإما لا سمع ولا طاعة!، وإلا سنقاتلك على حقنا وما ملكنا الله إياه!".
فلما خرج عمر رفع يديه إلى السماء وقال: "اللهم اكفني بلالا وصحبه". وكان بلال إذا صاح في المجلس صاحت مجموعة من الحاضرين من أتباعه، وما كادت تمضي شهور لم تصل إلى الاثنين أو الثلاثة؛ حتى أصيبت الشام بطاعون "عمواس"، فأخذت بلالا وجماعته، وكان في ذلك خير الإسلام والمسلمين. والموت حق:
ومن لم يمت بالسيف مات بغيره تعددت الأسماء والمــــــوت واحد وكان ذلك خيرا من أن تكون حرب بين المسلمين في أيام عمر، أيامه الزاهرة، أيامه الخالدة.
بعد ذلك جعل الأرض ملكا مشاعا، وكان عمر فعل ذلك من نفسه اجتهادا، ولكن ما كاد يفعل حتى انتبه إلى آية في كتاب الله، وإلى حديث عجيب معجز من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. فذكر آية الحشر، الآية الطويلة: {وما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم}. عمر قال: "لو أعطيت هذه الأرض وما فتح منها الآن؛ ما أظن يفتح بعدي أبدا!".
وكان كما قال عمر: ما ذا سيبقى لمن بعدي؟، ماذا سيبقى للجيوش، ماذا سيبقى للفاتحين، ماذا سيبقى على المتمردين؟. كيف والقرآن يقول: {لئلا يكون دولة بين الأغنياء منكم}، أردتم أن تتداولوا هذا المال، بل هذا العقار، وهذه الأرض. لا والله!!.
ثم عاد فذكر قال: "هذه قسمة الله، ثم قال الله: {للفقراء المهاجرين..}". وفسر عمر الغنائم بالمال المنقول، أما العقار فلا، وجعل هذه الآية "آية العقار"، وأنها لله، وما كان لله فهو لله وللرسول ولخلفائه من بعده، للحكم وللدولة، وللإدارة ولذوي القربى من الحاكمين والحكام، بمعنى: الرواتب التي يقومون بها، وللمهاجرين: البقايا من المهاجرين..
{والذين تبوأوا الدار والإيمان – من الأنصار إلى أن قال الله تعالى:- والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم}.
قال عمر: "إن أنا وزعت هذه الأرض بين فقرائكم الآن، فليست هذه من الغنائم التي تقسم عليكم"، وإذذاك عزم عمر وتركها خراجا، وتركها في أيدي أهل الذمة المفتتحة والمأخوذة منهم، منّ عليهم بالعتق، وتركهم في الأرض يزرعونها ويشرفون عليها لصالح المسلمين، وليست لهم ملكية، الملكية ليست بيدهم.
وأذن من بعدُ أن تملك تملك انتفاع لا تملك رقبة، وبقي الأمر كذلك في أيام عثمان، وأيام علي، وحاولوا أن يحولوا عليا عن ذلك؛ فقال: "لا؛ لقد فعل ذلك الخليفة الراشد قبلي، الموفق الهادي عمر، من قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه".
وكان من هذا النوع: جميع بلاد العرب في الجزيرة العربية إلا المدينة المنورة أسلم أهلها عليها، وخلاف في مكة بين الأئمة: هل تعتبر أرض فتح فلا يجوز التملك فيها؟، أو تعتبر أرض صلح؟. للأئمة في ذلك مذاهب وآراء ليس هذا موضع بسطها.
أما منى؛ فهي بالنص: "منى لمن سبق"، لا يجوز التملك فيها لأحد من الناس، ولا البناء المفرد لأحد من الناس، ولا أخذ أجرة من واحد من الناس. تلك حقوق الله جعلها ملكا للمسلمين ينتفعون بها في تلك الأيام الأربعة، يوم من قبل، وثلاثة من بعد.
الأرض – وهي موضع خلاف بين الناس – الشيوعية صادرتها دون كلام، الرأسمالية تجمعت في يد البعض منها الآلاف المؤلفة من الأميال، من الهكتارات، واحتكرتها دون الناس.
الإسلام جعل الأمر في ذلك وسطا: أرض أسلم عليها أهلها، فجعلها لأهلها.
أرض صولح عليها؛ فجعل الناس فيها وما اصطلحوا عليه.
أرض أخذت غلابا؛ فهي للناس كلهم، على أن يطبق فيها الخراج؛ ثلث للأرض، وثلث للعمل، وثلث للزرع.
فالأرض تعطى للزارع يأخذ مقابل زرعه الثلث، والعامل يأخذ مقابل عمله الثلث، ويبقى ثلث الأرض للدولة؛ فإن الدولة زرعتها من مالها، وإنما من أشرف عليها كان عاملا.
فيبقى الثلثان للدولة، لمصالحها، لإداراتها، لجيوشها، لبلدياتها، ولما تقوم عليه البلاد. أما الضرائب؛ فلا.
المعادن ملك مشترك للمسلمين، لا يمتاز به شعب من شعوبهم، ولا جماعة من جماعاتهم، لدينهم، للجهاد في سبيله، لمصالح الفقراء والمساكين، لا لأخذ أفراد له ونذهب للآخرين، ونستلف ونفرق الدول والأمم والشعوب بالديون، حتى تصبح الأمة وتصبح الدولة وتصبح الأرض مستغرقة ديونا. لمن؟، للمستعمر العدو، لمن يتربص الدوائر بأرض المسلمين.
وبذلك المذهب الحق في الأرض أيضا، حتى التي تملك، المالك يملك ظاهرها وسطحها، أما ما في باطنها من معادن – إن وجدت – فهو ملك مشترك للمسلمين.
ما موقف المذاهب الأخرى في الأرض؟، الشيوعية أخذتها لصالح الدولة، زعما أنها للشعب لم يكن كذلك، فلقد مات في سبيل الشيوعية أكثر من ستين مليونا ولا يزال يقال عنها شيوعية أو اشتراكية. وما الاشتراكية إلا الأبجدية للشيوعية، إلا المدرسة الابتدائية، رياض الأطفال. ابتدأت بالاشتراكية وتنتهي إلى ماركس ولينين.
المعادن: الرأسمالية ملكتها لليد الواحدة، فتجد في الدولة شخصا واحدا تسلط عليها وعلى الشعب وعلى الناس، أخذ مالا يحق له فيه، واستعبد من أجله الناس.
الشيوعية أخذت المعادن وتصرفت فيها حسب مصلحة هذه الجماعة، أو الفرد المتسلط.
المَرافق: ويعني بالمرافق: ما يرتفق به الناس، كالشوارع العامة، كالأجواء، كالبحار، جعل الشارع في الطريق سبعة أذرع ملكا مشتركا للناس، جعل الآبار مصالحها للناس، جعل الأنهر والبحار مصالحها للناس.
ويجمع هذا الحديث الصحيح الثابت في السنن وبعض الصحاح، عن جماعة من الصحابة: "المسلمون شركاء في ثلاث: في الماء والكلأ والنار والملح – أي: المعدن". بصيغة عامة: المسلمون شركاء في ثلاث: في الماء، أي ماء؛ ماء البحار، ماء العيون، ماء الأنهر، ماء الآبار، وليس لمن نبع الماء في أرضه إلا حق السقي والأولية والشفة فيه، وليس له أن يمنع غيره لا للشفة لنفسه ولا للدابة ولا لعموم الناس. لأن الشارع حرم بيع الماء، وحرم الاتجار بالماء؛ لأن الماء كثرته والارتفاق به جعله الشارع حقا للجميع.
"المسلمون شركاء في ثلاث: في الماء، والنار..."، النار: الغابات، الأحطاب، النفط، المياه المحترقة (الوقود، والبترول)، لأنه معدن هو ملك مشترك، لأنه نار هو ملك مشترك.
"المسلمون شركاء في ثلاث: في الماء والنار، والكلأ والملح" أي: المعادن. وهو الملح هنا. كالحديث السابق، حديث أبجر بن حمال المروي في أبي داود والحاكم وباقي السنن.
المرافق مثلا، هذه مصدر الثروة للدولة الكبيرة جدا، أقرب مثال: الطرق العامة، هذه الشوارع والمواصلات في المدن الداخلية، وفي الخارج لمن يحق له في أن يستفيد ويستغل السفر على هذه الطريق بالسيارات أو القطر، أو السفن أو الطائرات.
زيد من الناس؛ لا ليست الأرض خاصة به، ولا الجو خاصا به، ولا البحر خاصا به، لعموم الناس.
نعم؛ هو حق ولكن الفوضى لا تقبل، والإسلام نظامي. ولقد قال أبو بكر الصديق لخالد بن الوليد حين أرسله قائدا عاما في حروب الردة، قال له: "يا خالد؛ إن لله عملا في الليل لا يقبله في النهار، وإن لله عملا في النهار لا يقبله في الليل"، كالصلاة الموقوتة، صلاة الظهر في وقتها؛ فإن خرجت لا تعتبر أداء وإنما قضاء، وفي بعض المذاهب لا تقبل وتبقى سنة في حسابه، إن شاء الله عفا وإن شاء الله حاسبه عليها حسابا عسيرا.
ما العمل؟، العمل: أن تأتي الدولة إلى هذه الطرق العامة، سواء باسم تاكسيات خاصة، أو سيارات عامة لا خاصة، يعني: الخاصة بالأفراد. لكن التاكسي الذي يملكه شخص ملكا، فيجعل هيئة إدارة يصرف هو – يعني الدولة – تصرف المداخيل وإرجاعها لبيت المال، فإذا لم تملك الدولة ذلك وكثرت عليها النفقات؛ فلتعط ذلك لمن يستطيع من أصحاب الأموال على أن تأخذ من ذلك الثلث، والثلث الثاني للعمل، والثلث لصاحب الأرض. أي: للدولة، أي: للشعب، أي: لعموم المسلمين.
وقل هكذا على الطائرات، وقل هكذا على البواخر في البحار، وقل هكذا على الصيد، وقل هكذا على الغابات، وقل هكذا على كل مرفق من المرافق التي سميت في الفقه الإسلامي بجميع مذاهبه: المرافق.
ماذا صنعت المذاهب الأخرى في ذلك؟.
أيضا؛ الشيوعية صادرت ذلك لمصلحة الحاكم فقط، والرأسمالية احتكرت ذلك لبعض الأفراد ممن أثروا الثراء الفاحش على حساب فقر الشعب وبؤسه وشقائه.
النفقات: هذا الشيء لا تكاد تعرفه المذاهب الأخرى، الفقير والغني سواء في أن النفقة بالنسبة له واجبة على زوجته، الفقير بما يستطيع، والغني بما يستطيع.
لم ذلك؟، هذه الزوجة التي أجبروها أن تخرج للعمل وللمصنع وللمسكن، ألا يكفيها شغل البيت، يكفيها المحل، يكفيها الحيض، يكفيها النفاس، يكفيها تربية الأولاد، تكفيها الولادة، يكفيها الإشراف على البيت وتدبيره؟، فإن نحن كلفناها بشيء آخر خارج البيت كلفناها شططا، وظلمناها، وأفسدنا المجتمع.
هذا ما حدث بالبلاد التي تتخذ المرأة موظفة في الشوارع، وفي المساكن، وفي الإدارات. شلت الإدارات، وانتشر الفساد، وجاؤوا بالنساء إلى الإدارات والمحافل لا حاجة للذهاب إلى دور الفساد.
النفقة على الزوجة، والنفقة على الأطفال إلى أن يكبروا ويشتدوا، ويقوموا بأنفسهم، وعلى المحتاجين من العائلة من الأم والأب والأقارب. وأكمل مذهب في ذلك وأدقه في النفقات هو أحمد بن حنبل.
والزكوات هي حقوق الفقير والمسكين، زكاة الذهب وحقها معروف، زكاة المال وحقها معروف، زكاة التجارة وحقها معروف، زكاة الركاز وحقها معروف، تلك حقوق الفقراء والمساكين.
والثمانية الذين نص الله عليهم أيضا، وهذا شيء لا تعرفه المذاهب الأخرى، ولا يخطر لهم في بال، لا شيوعية، ولا رأسمالية.
التركات: مهما استغنى الغني ومهما جمع من المال الحلال عند موته يوزع ذلك أثمانا أثلاثا أنصافا، أجزاء لا حد لها، وللذكر مثل حظ الأنثيين، للذكر يصرفه على نفسه وعلى الأنثى، وللأنثى احتياطا إذا لزم الأمر.
والخراج: هو نتاج الأرض التي أخذت فتحا وغلابا، ما يخرج منها يعد ملكا لمصالح الدولة في نفسها وفي كل ما يتصل بها.
فإذن؛ هذه دولة الإسلام غنية بنفسها، قائمة بنفسها، لا تحتاج لأن تستورد من أحد، هي التي تصدر. لو حكم الإسلام العالم، وقد فعل قرونا تلتها قرون، لاستراح الناس، ولحقنت الدماء، ولعاش الناس في سعادة. ولكن يأبى الناس إلا الظلم، ويأبى المسلمون إلا الابتعاد من دينهم، دين نظمهم المجربة.
فأخذوا يتبعون غيرهم بعد أن انتقل الاستعمار من الأرض إلى الأدمغة، وإلى العواطف والقلوب، ففسد الناس، ولذلك يحتاج الإسلام اليوم إلى فتح جديد، إلى إصلاح جذري لا يبقي معه ولا يذر، لا يرحمه إلا من رحمه الله، ويرفع سيف الإسلام ولا يغمده، ما لم نرجع إلى الحق كرامته وأحقيته، ما لم يصبح الإسلام حاكما بعقيدة الناس في حرب عوان؛ سيبقى القوي يأكل الضعيف، والضعيف مستباح العرض والنفس والكرامة...هذه كلمات أكتفي بها...
انتهت المحاضرة المباركة


س: وقع السؤال عن سبب اتهام بلال بالخطأ في رأيه وعدم الحكم على عمر رضي الله عنهما بذلك؟. فقال رحمه الله:
الجواب: أولا؛ نقل الاتهام من بلال إلى عمر نقل من ذنب صغير إلى كبيرة من الكبائر، عمر الخليفة الراشد الثاني، الذي سبق عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال عنه: "لو كان بعدي نبي لكان عمر". عمر بن الخطاب الذي قال عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اقتدوا بالخليفتين الراشدين من بعدي: أبي بكر وعمر"، فأصبحت سنة عمر سنة لرسول الله عليه الصلاة والسلام.
عمر بن الخطاب الذي قال عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تمسكوا بسنتي وسنة الخليفتين الراشدين من بعدي: أبي بكر وعمر"، فأصبحت سنة عمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
وعمر بن الخطاب الذي قال عنه النبي عليه الصلاة والسلام: "تمسكوا بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ"، دخل مرة ثانية في الخلفاء الراشدين، وكان ثانيهم، فأصبحت سنته سنة نبوية للرسول عليه الصلاة والسلام.
عمر الذي قال عنه النبي عليه الصلاة والسلام: "إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه".
فاتهامه بأنه خرج عن الإسلام، أو خالف الإسلام؛ هذه جريمة كبيرة جدا. عمر الخليفة عن النبي، مسؤول، أمره أمر، وحكمه حكم، وطاعته واجبة، والمخالف لذلك يقتل بسيف الإسلام ولا كرامة، كان بلالا أو غير بلال.
بلال مع الرضا عنه وحبنا له وإجلالنا له، عمر شيء وبلال شيء آخر، عمر الخليفة المسؤول أمير المؤمنين المسؤول، المسؤول عن الإسلام عقيدة ونظاما ودولة. صحيح أن بلال اجتهد وهو مأجور على اجتهاده، لكن كان مجتهدا مخطئا.
بلال كاد بمعارضته الشديدة وتهديده بالسلاح أن يشق عصا الإسلام ومجد الإسلام، ولذلك التجأ عمر إلى الله واستجأر: "اللهم اكفني بلالا"، فاستجاب الله له، وما حصل شيء، مات بلال بعمره، ولحقه عمر عند الوقت المحدد له لوفاته، ولم يحصل شيء.
وبلال لم يتهمه عمر – ومعاذ الله أن نتهمه نحن، ولكن بلالا اجتهاده أعطاه على أن الأرض حق له يجب أن يأخذها، ولم يتهم عمر بأنه أراد أن يغصبه حقه، لأن عمر لم يأخذها لنفسه، ولم يرد تموله لأولاده، ولا بقاءها في سلالته أو حزبه، إن حزبه إلا الإسلام.
ولكن عمر تكلم باسم الله، وباسم كتاب الله، من حديث رسول الله، وما قلته، وهو معجر من معجزات الرسول كما نص على ذلك ابن تيمية والنووي، الحديث عن أبي هريرة في صحيح مسلم، وعن أبي داود في "السنن"، وعن النسائي، ورواه أبو هريرة وجابر، قال النبي عليه الصلاة والسلام: "منعت العراق درهمها وقفزها، ومنعت الشام قُدْيها ودينارها، ومنعت مصر أردبها ودينارها، وعدتم كما بدأتم، وعدتم كما بدأتم، وعدتم كما بدأتم". شهد على هذا لحم أبي هريرة ودمه: "سمعت هذا أذناي عن رسول الله فإن كنت كاذبا فعلي لعنته"، وصدقه بذلك جابر، وروى من سمع.
هذا الحديث معجزة من معجزات الرسول، ودليل واضح من أدلة عمر الذي ألهم الحق والصواب قبل أن ينتبه للدليل عندما قال ذلك.
في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت العراق لا تزال تحت الفرس، والشام لا تزال تحت الروم، ومصر لا تزال تحت القبط، والإسلام مقصورا على بعض جزيرة العرب، والرسول تحدث بما سيكون، وبما سيؤول إليه الحال كما بلغنا بكل شيء عندما قال: منعت العراق..ومنعت الشام..ومنعت مصر..إشارة لماذا؟. إلى أن الشام ستفتح، ومصر ستفتح، والعراق ستفتح، وسيعطي من يبقى على دينه الجزية دنانير ودراهم، والخراج أمدادا وأقفزة وإردبات.
لأن الإشارة إل القفيز، وهو أحد مكاييل العراق، والمد، أو المدي؛ وهو عبارة عن عشرين من أحد مكاييل الشام، والإردب: أحد مكاييل مصر.
هذه المكاييل عندما يعطونه الخراج، خراج أرضهم التي فتحها الإسلام سيفا وغلابا، وعلى أن الأرض ستخضع للمسلمين، تؤدي الجزية عن الأعناق، ويؤدى الخراج عن الأرض.
وهذا الذي حدث؛ فتح عمر – لا غير – مصر والشام والعراق، وضرب الجزية على أهل الذمة، وضرب الخراج على الأرض، وأصبح الكل يؤدي ذلك كما أخبر رسول الله.
ومضى زمان تنازع المسلمون على المناصب، وتقاتلوا على المناصب، وذلوا للنزاع، وصدق الله تعالى: {ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم}، فذهب القوة، وذهب الريح بالنزاع، وحدث كما قال الرسول: "منعت العراق درهمها وقفيزها، والشام مددها ودينارها، ومصر إردبها ودينارها، وعدتم كما بدأتم". امنع أهل الذمة عن أداء الجزية، وأهل الخراج امتلكوا الأرض وتسلطوا عليها، ومنعوا أن يعطوا الخراج، ورجعت البلاد لحكم الكفر، ولتسلط الكفر، ولظلم الحكام، ولجور الأغنياء. وهذا ما حدث منذ زمان.
من الذي يؤدي الجزية اليوم؟، نحن المسلمون. من الذي يؤدي الخراج؟، نحن المسلمون. مع الأسف، ومنذ قرون، لا أقول الآن، منذ الحكم العثماني ما عاد تؤدى الجزية، وما عاد تؤدى خراج. وفي أيام معاوية ابتدأ تغيير الأرض عما كانت عليه أيام الخلفاء الراشدين، وجاء عمر بن عبد العزيز الخليفة السادس الراشد، وكان حكمه العادل بين حكمين ظالمين، فماذا صنع؟.
أسس إدارة في أول مرة في تاريخ الإسلام وسماها: "إدارة رد المظالم"، فما يسمى اليوم باللغة الاشتراكية والشيوعية بالتأميم ومصادرة الأرض، سماه: رد المظالم. لأن التأميم في القانون: عبارة عن أخذ الأرض المعترف بملكيتها للمنفعة العامة، ولكن عمر سماها: مظالم، والمظالم لا بد أن ترد، ولا يعد أخذها تأميما لحق سابق، إنما رجوع حق مغصوب.
فماذا صنع عمر بن عبد العزيز؟.
أرجع الأرض كما كانت أيام عمر بن الخطاب والخلفاء الراشدين، أخذ المعادن كما كانت أيام عمر والخلفاء الراشدين، وابتدأ بزوجته فاطمة ابنة الخليفة الوليد، أخت الخليفة سليمان وزوجة الخليفة عمر بن عبد العزيز. وقال لها: "يا فاطمة؛ سآخذ ما بيدك من حلي، وما في عنقك وما في رجليك، وما تملكينه من أرض ومن عقار ومن مال، مال غصبه أبوك وجدك وأخواك من المسلمين، إن أنت أعطيتنيه راضية أنت زوجتي في الدنيا والآخرة، والمال مال المسلمين. وإن أنت امتنعت إلا أن آخذه قهرا؛ فمعاذ الله أن أقبل أن أتزوج زوجة تأبى إلا أن تغصب الناس حقوقهم". حتى وقد جاءها النذير، وقد جاءها الواعظ من زوجها ومن نفسها؛ قالت له: "أما وسأفقد المال والزوج؛ فيكفي أن أفقد المال، وحاجتي في الزوج شديدة".
فهو حكاية رد مظالم بلال، لو بقي الأمر كما أراد لفسد نظام الإسلام ونظام اقتصاده.
وعمر بن الخطاب كان – مضافا إلى أنه اختصاصي في الحكم والإدارة – فذا من الأفذاذ، علما من أعلام الكون، ومن عظمائهم في ذلك، وكان – أيضا – اختصاصيا في المال.
وجمْع فقه عمر في المال يكون فقها قائما بنفسه، ولقد أكرمت وجمعت ذلك فيما كنت ألقيته على الطلاب في جامعة دمشق في كلية الشريعة، وبعضهم قد تخرجوا، وهم هنا، وأصبحوا زملاء في الجامعات والتدريس فيها، وهذا ما يفخر به الأب والأستاذ. وأسميت ذلك: "الأموال: مصادرها ومواردها من القرآن والحديث"، فكان عمدتي في ذلك: عمر.
عمر كان يقول: "من أراد الحلال والحرام فعليه بمعاذ، ومن أراد القراءات فعليه بأبيْ، ومن أراد الفقه فعليه بأبي حذيفة، ومن أراد المال فإلي وعَلَي".
هو الذي يعطيه في حقه، وهو الذي يفتيه في حكمه، وهذا كان مذهب عمر في الخراج معروفا، وقد اختلف الصحابة في البداية، ثم أقنعهم عمر وأصبح إجماعا.
وكان له رأي في المال عجب، ختم أيامه قبل أن يموت بأشهر وقال: "لو عشت إلى قابل لآخذن أموال الأغنياء وقسمتها على فقراء المهاجرين".
عمر كان له رأي في أخريات أيامه أن فضول الأموال بعد الاكتفاء ينبغي أن تؤخذ للفقراء والمساكين، فعمر ما صنع شيئا أكثر من أنها فتنة ستشق دولة الإسلام.
يقول: "من حاول – أو من أراد – أن يخرج عن طاعة الإمام – أو طاعة المسلمين – وأمرهم جميع؛ فاقتلوه كائنا من كان".
عمر ماذا صنع في أول أمره؟، قيل له بعد أن طعن غيلة ومؤامرة: "استخلف يا عمر"، قال: "إن أستخلف فقد استخلف أبو بكر، وإن لم أستخلف فقد ترك الاستخلاف من هو خير من أبي بكر ومني"، يعني: رسول الله عليه الصلاة والسلام، "ولكنني أدع الأمر شورى بين ستة بات رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض". وكان هؤلاء الستة من؟: طلحة بن عبيد الله، الزبير بن العوام، عثمان بن عفان، علي بن أبي طالب، سعد بن أبي وقاص، عبد الرحمن بن عوف. وقال: "فليحضر ولدي عبد الله، ولا أمر له"، لا يشير ولا يستشار، لا ينتخب ولا يُنتخب. وكان الأمر كما يقال اليوم في المجامع الدولية: يحضر هذا المؤتمر ملاحظا مراقبا فقط.
وترك عبد الرحمن بن عوف قائما مقامه مدة من ثلاثة أيام، فكان أول قائم مقام منصب الخلافة من الناس، فترك له الحكم تلك الأيام الثلاثة، والإمامة بالناس والفصل بينهم، وأمره أن يحضر أولئك في البيت، ويمنعهم من الخروج لا جمعة ولا جماعات إلى أن يخرج الخليفة.
قال له: "انتح ستة؛ فإن اتفق ثلاثة وثلاثة فليرجح الثلاثة الذين انتقيتهم"، فجعل له حق صوتين باعتباره قرشيا، وكان أول من شرع ذلك في النظم الإدارية.
قال: "إن اتفق ثلاثة أنت فيهم وخالف الثلاثة الآخرون؛ فاقتلهم كائنا من كانوا، إن اتفق أربعة وخالف اثنان؛ فاقتلهما، إن اتفق خمسة وخالف سادس فاقتله"، من كان الذي سيقتل؟، علي بن أبي طالب، عثمان بن عفان، الستة الذين قال عنهم عمر بن الخطاب: "مات رسول الله وهو عنهم راض"؟، وعمن يفعل ذلك وهو يعلم ما يصنع أن في مصلحة المسلمين أن لا تشق عصاهم، وأن لا يقوم بينهم خلاف؟.
الخلاف في جماعة الإسلام شيء شديد، لا يعرف في قوانين الإسلام حكم بالموت والإعدام إلا لمجرد المحاولة في القيام على الحكم الإسلامي، والحاكم المسلم، أما غير ذلك فالمحاولة لا تعتبر محاولة تستحق القتل.
أما هذه؛ ففي الحديث الصحيح: "من أراد – ما قال: من فعل – أن يقوم على جماعة المسلمين، ويشق عصا طاعة الإمام، ويفرق جماعتهم، فاقتلوه كائنا من كان"، من أراد لم؟، كل المصائب التي أصابت المسلمين من الخلاف. المسلمون يعيشون اليوم في فتنة، وهذه الفتنة لو وجد لها لمن يشق عصا الطاعة من يريح المسلمين منه، ويفصل بين رأسه وجسده؛ لاستراح الناس.

ترك باسم الحرية الفاسدة، فصار الواحد اثنين، والاثنان عشرة، والعشرة آلافا وملايين، فخربت البلاد والعباد، واحتلت اليهودية – أذل شعوب الأرض – ديار المسلمين وعقر ديار العرب، واحتلت القبلة الأولى للمسلمين، وأصبحت على رمية حجر من مدينتنا هذه المقدسة، ومن الضريح المقدس، الضريح النبوي.
أبعد هذا نشفق على أي كان؟، ونقول: فلان كذا وفلان كذا مقامه محفوظ؟. أما من حكّمه سيف الإسلام فإلى رحمة الله، والإسلام لا بد أن يعيش أبدا...

انتهت وبالخير عمت

الطالبة : سارة الخرجي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
الاقتصاد الإسلامي بين الشيوعية والرأسمالية ؟
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
اصول تربيه 451 :: الفئة الأولى :: المنتدى الأول-
انتقل الى: